سهيلة عبد الباعث الترجمان
720
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الحال فناء ، بل فناء الفناء ، لأنه فني عن نفسه ، وفني عن فنائه ، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ، ولا بعدم شعوره بنفسه ، ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه " « 1 » . فما هو شأن الجيلي إذن في هذا الأمر ، وهل ترتب على تصوفه ونظرته في التوحيد الكامل للوجود اعتمار قلبه بالمحبة الإلهية ؟ وهل تحقق بالفناء الروحي في مقاماته وأحواله ووصل إلى شهود الحقيقة بغيبته عن نفسه وانعدام ذاته أمام أنوار الذات الإلهية ؟ وكذلك الأمر بالنسبة لعبادة اللّه بعد محبته ، والفناء فيه ، والعودة إلى الفطرة التي أوجد عليها الصوفي في حال فنائه وانسلاخه عن نفسه ، فهل هناك تكثّر في الأديان أم هو تعدد في الصور فقط أمام وحدة الجوهر ، حيث أن الجوهر واحد ، والحقيقة واحدة ، لأن الحق الذي تنبعث منه الأنوار هو واحد فقط ؟ - الحب الإلهي والفناء : يصور الجيلي المحبة الإلهية في أرقى معانيها وأكمل مجاليها ، حيث يجعلها كالشمس في طلوعها عندما تنير الأرض بأشعتها وأنوارها ، وتطرد غياهب الظلمة من جوانبها ، فيعمها الخير والحيوية مكان الخمول والسكينة . وشمس المحبة التي يستخدمها الجيلي في إشاراته هي رتبة الحق وأوصافه الحسنى التي تحل بقلب الصوفي عند تحققه بالمحبة الكاملة للّه ، وهي مرتبة الكمال الحقيقي والجمال الصّرف التي تصرف الصوفي المتحقق عن التعلق بأي شيء غيرها . وقد عمد الجيلي إلى التعبير عن تعشقه للذات الإلهية وولعه بها بنظم ضمّنه لواعج النفس وآلامها ومعاناتها ، للوصول إلى التحقق بهذه المحبة التي يتفانى الصوفي للوصول إليها بشتى الوسائل من مجاهدة النفس والتقلب في الأحوال والمقامات كي يفوز بها . وقصيدته العينية شاهدة على ذلك لما تضمنته من صور حيّة للعاطفة التي ارتبط بها مع الذات الإلهية : فؤاد به شمس المحبة ساطع * وليس لنجم العذل فيه مواقع صحا الناس من سكر الغرام وما صحا * وأفرق كل وهو في الحان جامع
--> ( 1 ) الغزالي ، مشكاة الأنوار ، القاهرة ، سنة 1907 ، ص 41 .